الشيخ محمد رشيد رضا
8
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وذاك قليل . وأكثر التفسير المأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب ، كما قال الحافظ ابن كثير ، وجل ذلك في قصص الرسل مع أقوامهم ، وما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم ، وفي تاريخ غيرهم كأصحاب الكهف ومدينة إرم ذات العماد وسحر بابل وعوج بن عنق ، وفي أمور الغيب من أشراط الساعة وقيامتها وما يكون فيها وبعدها ، وجل ذلك خرافات ومفتريات صدقهم فيها الرواة حتى بعض الصحابة ( رض ) ، ولذلك قال الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي . وكان الواجب جمع الروايات المفيدة في كتب مستقلة ، كبعض كتب الحديث وبيان قيمة أسانيدها ، ثم يذكر في التفسير ما يصح منها بدون سند ، كما يذكر الحديث في كتب الفقه ، لكن يعزى إلى مخرجه كما نفعل في تفسيرنا هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى : والاختلاف في التفسير على نوعين : منه ما مستنده النقل فقط ، ومنه ما يعلم بغير ذلك ، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره ، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ومنه ما لا يمكن ذلك ، وهذا القسم - الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه - عامته مما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته ، وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه ، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، وفي قدر سفينة نوح وخشبها ، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ، ونحو ذلك . فهذه الأمور طريقة العلم بها النقل ، فما كان منها منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ، ومالا - بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب - وقف عن تصديقه وتكذيبه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم » وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب ، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض . وما نقل عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين ، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو من بعض من سمعه منه أقوى ، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال : إنه أخذه عن أهل الكتاب ، وقد نهوا عن تصديقهم ؟